فخر الدين الرازي
75
المطالب العالية من العلم الإلهي
أن يحدث فلك الثوابت بحيث [ كان « 1 » ] يحصل من أول حدوثه إلى الآن ألف ألف دورة ، أم لا ؟ فإن كان ذلك ممتنعا ، فقد عاد الحديث « 2 » المذكور من أن العالم كان ممتنع الوجود لعينه ، ثم انقلب ممكن لعينه ، وهو محال ، وإن كان ذلك ممكنا ، فهذا هو المراد من القبلية والبعدية ، سواء عبر عنه بهذا اللفظ أم لا . وأما الجواب الثامن : وهو قولهم : القادر يمكنه ترجيح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح . فنقول : هذا الجواب : ضعيف وذلك لأن القادر هو الذي يكون متمكنا من الفعل ، ومن تركه ، بدلا عنه . فنسبة هذه القادرية إلى الطرفين على السوية ، فإما أن يكون هذا القدر كافيا في أن يكون مصدرا للفعل بعينه ، وإما أن لا يكون كافيا فيه . فإن كان كافيا فيه كان ذلك ترجيحا « 3 » لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال . وأيضا : فنحن نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا أن هذا القدر لا يكفي في وقوع أحد الطرفين ، بل ما لم يرجح أحد الطرفين على الآخر بسبب قصد وميل وترجيح ، لم يحصل « 4 » الرجحان . وأيضا : فعلى هذا التقدير يكون وقوع هذا الفعل : محض الاتفاق العاري عن كل الأسباب . وأما [ إن « 5 » ] لم يكن مجرد القادرية كافيا في حصول هذا الرجحان ، فحينئذ يجب انضمام أمر آخر إليه ، وحينئذ يسقط هذا الجواب بالكلية . واعلم أن قول القائل : القدار يرجح أحد مقدوريه على الآخر فهل لقولنا : يرجح مفهوم زائد على كونه قادرا ، أوليس له مفهوم زائد ؟ فإن كان الأول ، فحينئذ ظهر أن رجحان الفعل على الترك : ما حصل لمجرد كونه قادرا ، وإنما حصل عند انضمام هذا المفهوم الزائد إلى أصل القادرية . وإذا
--> ( 1 ) كان ( ط ) . ( 2 ) البحث ( ط ) . ( 3 ) رجحانا ( ط ) ( 4 ) ثم حصل ( ت ) ( 5 ) من ( ط )